كيف تستجيب الجيوش للثورات؟ ولماذا؟

يتناول كتاب «كيف تستجيب الجيوش للثورات؟ ولماذا؟» لزولتان باراني، في ترجمته العربية الصادرة عن «الشبكة العربية للأبحاث والنشر»، سؤالًا مركزيًا شديد الراهنية: ما العوامل التي تحدد قرار الجيوش عند اندلاع الثورات الشعبية، بين الانحياز للمتظاهرين أو حماية النظام أو التزام الحياد؟ يندرج العمل في حقل الفكر السياسي المقارن، مع تركيز خاص على الثورات المعاصرة، وفي القلب منها الثورات العربية، بوصفها مختبرًا لفهم أنماط سلوك المؤسسة العسكرية في لحظات التحول الحاد.​

يبني المؤلف كتابه على إطار نظري واسع يستعرض فيه أدبيات الثورة والعلاقات المدنية–العسكرية، من برينتون وسكوكبول إلى هنتنغتون وتيلي وغيرهم، بهدف وضع سلوك الجيوش في سياق تاريخي ونظري ممتد. ثم ينتقل إلى تحديد العوامل البنيوية التي تشكّل شخصية الجيش: مستوى الاحترافية، درجة التسييس، طبيعة علاقة الضباط بالنخب الحاكمة، وترتيبات التمويل والامتيازات المادية. بعد ذلك تتجه الفصول إلى دراسات حالة مقارنة تشمل تجارب الثورة في أوروبا الشرقية، إيران، أميركا اللاتينية، وصولًا إلى العالم العربي، مع تتبع مسار الأحداث في بلدان مثل مصر، تونس، سوريا، اليمن، ورومانيا، لفهم كيف تترجم تلك العوامل البنيوية إلى قرارات عملية على الأرض. ويعتمد المؤلف منهج «تتبّع العمليات» في كل حالة، فيعيد بناء تسلسل القرارات داخل النظم العسكرية والسياسية، مستعينًا بوثائق، ومراجع أكاديمية، وشهادات ومقابلات نوعية.​

يمكن القول إن قوة الكتاب تتمثل في وضوح فرضيته المركزية وتماسكها: الجيوش ليست كتلة واحدة، بل مؤسسات متمايزة تتحدد استجابتها للثورات وفق تركيبها الاجتماعي وتنظيمها الداخلي وشبكات مصالحها مع السلطة. ينجح المؤلف في ربط مستوىً نظري كثيف مع مادة تاريخية وواقعية واسعة، فيمنح القارئ القدرة على رؤية أنماط متكررة خلف تنوع الحالات، خصوصًا في إظهار أثر تماسك النخبة العسكرية أو انقسامها على مآلات الثورات. كما يُلاحظ أن لغة الكتاب – في أصلها الإنجليزي ثم في الترجمة – أقرب إلى الأسلوب الأكاديمي التحليلي، مع جهد واضح للحفاظ على قدر من السلاسة ومنع إغراق القارئ بالتفاصيل المرجعية رغم كثرتها. في المقابل، قد يُلاحظ أن التركيز الكبير على الجيوش قد يهمّش أحيانًا أدوار الفاعلين الآخرين، كالحركات الاجتماعية والاقتصاد والإعلام، بما يجعل بعض التعميمات حول أسباب النجاح أو الفشل عرضة للنقاش. كذلك يميل المؤلف أحيانًا إلى استحضار حالات كثيرة في مساحة محدودة، ما يترك بعض الأمثلة في مستوى الوصف السريع أكثر من التحليل المتعمق.​

تقدّم «الشبكة العربية للأبحاث والنشر» هذا العمل ضمن خطّ نشر يغلب عليه الطابع البحثي–الفكري، مع اهتمام بكتب العلوم السياسية والفكر الحديث والترجمات الأكاديمية، ما يعكس توجهًا ثقافيًا ومعرفيًا أكثر من كونه تجاريًا بحتًا. يظهر من عناوين أخرى للشبكة أن لديها ميلًا إلى استضافة نقاشات نظرية حول الدولة، الإسلام السياسي، الحركات الاجتماعية، والقضايا الجيوسياسية، مع حضور لكتابات نقدية تجاه البنى السلطوية في العالم العربي، وإن ظل ذلك في إطار معرفي لا شعاراتي. يمكن الاستنتاج بحذر أن اختيار نشر هذا الكتاب ينسجم مع رغبة الدار في ترسيخ موقعها كوسيط لنقل الإنتاج الأكاديمي الغربي المتخصص إلى القارئ العربي، وتغذية نقاشات ما بعد «الربيع العربي» بأدوات تحليلية جديدة، دون أن يُفهم ذلك بوصفه تبنيًا كاملاً لمضامين الكتاب أو انحيازًا سياسيًا مباشرًا.

قراءة في كتاب رجل القش مغامرة في المغالطات المنطقية

يرافق كتاب “رجل القش: مغامرة في عالم المغالطات المنطقية” القارئ في رحلة ممتعة بين أخطاء التفكير التي تتخفى وراء نقاشات السياسة والدين والحياة اليومية، مقدّمًا مدخلًا مبسّطًا إلى عالم المنطق غير الصوري والتفكير النقدي. ينتمي الكتاب إلى حقل تبسيط الفلسفة والمنطق للقارئ العام، ويستثمر أسلوبًا قصصيًا وأمثلة حياتية ليعرّف بالمغالطات التي تشوّه النقاش العام، من “رجل القش” و”المنحدر الزلق” إلى “التعميم المتسرع” و”حجة الشخصنة” وغيرها.

يقسّم المؤلف كتابه إلى فصول تمهيدية تعرف بالمنطق، والحجة، والمقدمة والنتيجة، والفرق بين البرهان والتفسير والرأي، قبل أن ينتقل إلى العرض التفصيلي للمغالطات. يضع أساسًا مفاهيميًا للتمييز بين البرهان الاستنباطي والبرهان الاستقرائي، وبين الملاحظة والنظرية والفرضية، تمهيدًا لفهم كيف تنشأ المغالطات من سوء استخدام هذه الأدوات. بعد ذلك يعرض لمفهوم “المغالطة” نفسها، ويستدعي تقليد المنطق غير الصوري كما تطور في أعمال نيكول وأرنو، وغوفييه، ودوغلاس والتون، وغيرهم من منظّري الحجاج المعاصرين، ليبيّن أن المغالطة ليست مجرد خطأ شكلي في تركيب الحجة، بل غالبًا انحراف في السياق أو في استخدام اللغة أو في تحميل الخصم ما لم يقله.​

في الفصول التطبيقية، يتتبع الكتاب مجموعة من المغالطات المشهورة عبر أمثلة ملموسة، فيقدّم “التعميم المتسرع” بوصفه انتقالًا من حالات محدودة إلى حكم واسع على فئة أو جماعة، مستعرضًا أمثلة من الخطاب العنصري والطائفي. ويشرح “مغالطة رجل القش” من خلال مواقف يُعاد فيها صياغة موقف الخصم في صورة كاريكاتورية يسهل ضربها، بدل مناقشة أطروحته الحقيقية، مع أمثلة من النقاشات الدينية والإيديولوجية. كما يقدّم “الاحتكام إلى الشخص” (Ad Hominem) بوصفه انزياحًا من نقد الفكرة إلى النيل من صاحبها، و”المنحدر الزلق” بوصفه سلسة افتراضات تخويفية لا يسندها رابط سببي حقيقي بين الخطوة الأولى والكارثة المتخيَّلة في نهايتها. ويلفت المؤلف الانتباه إلى “مغالطة المغالطة” (fallacy fallacy)، أي الاعتقاد بأن وجود مغالطة في حجة ما يعني بالضرورة خطأ نتيجتها، فيذكّر القارئ بأن الحجة الرديئة لا تجعل القضية نفسها باطلة بالضرورة. يتطرق الكتاب كذلك إلى “ورقة هتلر” بوصفها استخدامًا أوتوماتيكيًا لذكر النازية أو هتلر لنزع الشرعية عن أي فكرة، وإلى “الاحتكام إلى عدم التصديق”، و”مغالطة النيرفانا” التي ترفض الحلول الواقعية لأنها غير كاملة قياسًا بنماذج مثالية. وفي الفصل المخصص لتأثير “الحقيقة الوهمية”، يشرح كيف يتحوّل التكرار الإعلامي للمعلومة – حتى لو كانت مضللة – إلى ما يشبه الحقيقة في وعي الجمهور.​

يمكن القول إن قوة الكتاب تكمن في مزجه بين تبسيط المفاهيم الفلسفية والاقتراب من خبرة القارئ اليومية، إذ لا يكتفي بتعريف المغالطات بل يضعها في سياقات اجتماعية وسياسية معاصرة، ما يجعل القارئ يرى نفسه – أو خصومه – في أمثلة النص. لغة المؤلف سلسة، قائمة على جُمل قصيرة وتشبيهات واضحة، ما يقرّب موضوعًا عادة ما يُقدّم في قوالب أكاديمية جافة. كما أن حضور أسماء منظّري المنطق غير الصوري يمنح العمل عمقًا معرفيًا، فيربط القارئ بتيار عالمي في دراسات الحجاج. مع ذلك، يبدو أحيانًا أن كثرة الأمثلة تأتي على حساب تعميق التحليل الفلسفي؛ فبعض الفصول تنزلق إلى طابع “دليل استخدام” سريع أكثر من كونها نقاشًا معمقًا لجذور المغالطات في بنية التفكير الأيديولوجي أو الإعلامي. كذلك، لا يتوسع الكتاب كثيرًا في نقد حدود تصنيف المغالطات نفسه، أو في بيان نقاط التداخل بينها، وهي مساحة كان يمكن أن تمنحه إضافة نظرية أوضح.​

من جهة دار النشر، يَصدر هذا الكتاب عن جهة تهتم بتعميم التفكير النقدي والمنطق على جمهور واسع، وتجمع – وفق ما يشي به هذا العنوان وسلسلة الكتب المشابهة – بين الهمّ المعرفي والتربوي، مستهدفة القرّاء في الحقول التعليمية والثقافية أكثر من السوق التجاري الخالص. اختيار كتاب يعرّف بالمغالطات المنطقية ويستدعي تقاليد المنطق غير الصوري المعاصر يشير إلى توجه ثقافي تعليمي يراهن على بناء أدوات القارئ بدل الاكتفاء بسرديات جاهزة أو عناوين رائجة. ويمكن الترجيح بحذر أن مثل هذه الدور تعتمد في تمويلها على سوق الكتاب العربي العام، وعلى شراكات مع مؤسسات تعليمية أو ثقافية، أكثر من اعتمادها على أجندات حزبية صريحة، ما ينسجم مع طابع الكتاب الذي يتجنّب الانحياز السياسي المباشر ويركّز على بنية الحجة ذاتها. يظهر أثر هذه السياسة في تقديم الكتاب كجزء من مشروع أوسع لترسيخ ثقافة الحوار العقلاني، حيث تتحول معرفة المغالطات من مادة تخصصية إلى أداة يومية للدفاع عن الرأي وإدارة الخلاف.

قراءة في كتاب فكرة اسرائيل تاريخ السلطة والمعرفة – آلان بابي

كتاب «فكرة إسرائيل.. تاريخ السلطة والمعرفة» للمؤرخ الإسرائيلي إيلان بابي خريطة معقدة لكيفية تصنيع الرواية الصهيونية عن فلسطين داخل معامل المعرفة: الجامعة، الإعلام، السينما، والأرشيف. ينتمي الكتاب إلى حقل تاريخ الأفكار وسياسات المعرفة، ويحاول تفكيك الصورة التي قدِّمت إسرائيل بوصفها مشروعًا حداثيًا تقدميًا، في مقابل محو الطابع الاستعماري والعنصري لتأسيسها على أرض فلسطين، وقد صدرت ترجمته العربية عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر سنة 2014 في نحو 446 صفحة

يتتبع بابي في فصول الكتاب الجذور الأيديولوجية للصهيونية وكيفية ترجمتها إلى مناهج تعليمية وخطابات إعلامية وسينمائية تصنع وعيًا عامًا داخليًا وغربيًا يتعامل مع قيام إسرائيل كحدث تاريخي طبيعي وعادل. يمر عبر محطات متعددة: من تزييف التاريخ الفلسطيني واليهودي في السرديات الرسمية، إلى دور الأدب والسينما والأفلام الوثائقية في ترسيخ صورة الفلسطيني كعائق أو دخيل، مقابل تصوير المشروع الصهيوني كمحاولة لـ«ترتيب» فضاء مبعثر. يتوقف عند صعود «المؤرخين الجدد» بعد 1967، وعند موقع الهولوكوست في تشكيل الوعي الإسرائيلي وتبرير مشروع الدولة، وصولًا إلى رؤية عرب 48 لمعضلة الاندماج في مجتمع قائم على الاحتلال، قبل أن يختم برصد «موت» حركة المؤرخين الجدد وصعود صهيونية جديدة أكثر قومية وتصلبًا.

يمكن القول إن الكتاب يقدّم مساهمة تحليلية كثيفة في فهم كيفية استخدام المعرفة كأداة سلطة، لا بوصفه سردًا وقائعيًا فحسب، بل بوصفه تشريحًا لآليات إنتاج الرواية الإسرائيلية وترويجها عالميًا. تبدو الفكرة المركزية متماسكة: تفكيك «فكرة إسرائيل» كما تتجلى في نصوص وخطابات ومؤسسات، مع إبراز أن الخداع والتشويه لم يكونا عرضًا جانبيًا، بل ركنًا بنيويًا في المشروع الصهيوني. قوة الكتاب تتبدى في اعتماده على أرشيفات ووثائق وشهادات، وفي ربطه بين الحقل المعرفي (الجامعة، مراكز الأبحاث) وبين القرار السياسي والعسكري، غير أن كثافة المادة التحليلية قد تجعل بعض الفصول أقل سلاسة للقارئ غير المتخصص، كما أن التركيز على نموذج المؤرخين الجدد يفتح أسئلة أكثر مما يجيب أحيانًا عن حدود تأثيرهم الفعلي في الرأي العام الإسرائيلي.

يتيح الكتاب للمكتبة العربية مادة نادرة تأتي من داخل المؤسسة الإسرائيلية نفسها، عبر مؤرخ يناهض الاحتلال ويعيد الاعتبار للسردية الفلسطينية في مواجهة خطاب رسمي يصر على الإنكار والتبييض. في المقابل، يمكن ملاحظة أن اعتماد بابي على مثال إسرائيل يلمّح إلى نموذج أوسع لعلاقة الدولة الحديثة بصناعة المعرفة، وهو ما يفتح الباب أمام مقارنات مع تجارب استعمارية أخرى، لم يتوسع فيها النص كثيرًا.

صدور الترجمة العربية عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر يضع الكتاب ضمن خط دار نشر تميل إلى نشر أعمال فكرية نقدية ذات طابع سياسي وتاريخي، كثير منها يعالج قضايا الاستعمار، فلسطين، والتحولات العربية المعاصرة. يُستدل من قائمة إصدارات الدار على انحياز عام لخطاب تحليلي نقدي، مع اهتمام خاص بالنصوص التي تتقاطع مع اليسار العربي أو دراسات ما بعد الاستعمار، ما يجعل احتضان كتاب كهذا امتدادًا منطقيًا لهذا التوجّه، وإن ظلّ تقييم تبعياتها التمويلية أو علاقاتها السياسية الدقيقة أمرًا لا يُحسم إلا بالتصريحات الرسمية لا بمجرد أنماط النشر. يظهر ذلك في اختيار نص يزعزع رواية إسرائيلية مهيمنة، ويضعه في سياق عربي يحتاج إلى أدوات معرفية لفهم كيف تُصنع صورة فلسطين وإسرائيل في الوعي العالمي، وهو ما يجعل هذا العمل، ضمن مشروع الدار، حلقة في سلسلة إعادة التفكير في التاريخ من زاوية المنهج والمعرفة لا من زاوية الوقائع وحدها.