
كتاب «فكرة إسرائيل.. تاريخ السلطة والمعرفة» للمؤرخ الإسرائيلي إيلان بابي خريطة معقدة لكيفية تصنيع الرواية الصهيونية عن فلسطين داخل معامل المعرفة: الجامعة، الإعلام، السينما، والأرشيف. ينتمي الكتاب إلى حقل تاريخ الأفكار وسياسات المعرفة، ويحاول تفكيك الصورة التي قدِّمت إسرائيل بوصفها مشروعًا حداثيًا تقدميًا، في مقابل محو الطابع الاستعماري والعنصري لتأسيسها على أرض فلسطين، وقد صدرت ترجمته العربية عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر سنة 2014 في نحو 446 صفحة
يتتبع بابي في فصول الكتاب الجذور الأيديولوجية للصهيونية وكيفية ترجمتها إلى مناهج تعليمية وخطابات إعلامية وسينمائية تصنع وعيًا عامًا داخليًا وغربيًا يتعامل مع قيام إسرائيل كحدث تاريخي طبيعي وعادل. يمر عبر محطات متعددة: من تزييف التاريخ الفلسطيني واليهودي في السرديات الرسمية، إلى دور الأدب والسينما والأفلام الوثائقية في ترسيخ صورة الفلسطيني كعائق أو دخيل، مقابل تصوير المشروع الصهيوني كمحاولة لـ«ترتيب» فضاء مبعثر. يتوقف عند صعود «المؤرخين الجدد» بعد 1967، وعند موقع الهولوكوست في تشكيل الوعي الإسرائيلي وتبرير مشروع الدولة، وصولًا إلى رؤية عرب 48 لمعضلة الاندماج في مجتمع قائم على الاحتلال، قبل أن يختم برصد «موت» حركة المؤرخين الجدد وصعود صهيونية جديدة أكثر قومية وتصلبًا.
يمكن القول إن الكتاب يقدّم مساهمة تحليلية كثيفة في فهم كيفية استخدام المعرفة كأداة سلطة، لا بوصفه سردًا وقائعيًا فحسب، بل بوصفه تشريحًا لآليات إنتاج الرواية الإسرائيلية وترويجها عالميًا. تبدو الفكرة المركزية متماسكة: تفكيك «فكرة إسرائيل» كما تتجلى في نصوص وخطابات ومؤسسات، مع إبراز أن الخداع والتشويه لم يكونا عرضًا جانبيًا، بل ركنًا بنيويًا في المشروع الصهيوني. قوة الكتاب تتبدى في اعتماده على أرشيفات ووثائق وشهادات، وفي ربطه بين الحقل المعرفي (الجامعة، مراكز الأبحاث) وبين القرار السياسي والعسكري، غير أن كثافة المادة التحليلية قد تجعل بعض الفصول أقل سلاسة للقارئ غير المتخصص، كما أن التركيز على نموذج المؤرخين الجدد يفتح أسئلة أكثر مما يجيب أحيانًا عن حدود تأثيرهم الفعلي في الرأي العام الإسرائيلي.
يتيح الكتاب للمكتبة العربية مادة نادرة تأتي من داخل المؤسسة الإسرائيلية نفسها، عبر مؤرخ يناهض الاحتلال ويعيد الاعتبار للسردية الفلسطينية في مواجهة خطاب رسمي يصر على الإنكار والتبييض. في المقابل، يمكن ملاحظة أن اعتماد بابي على مثال إسرائيل يلمّح إلى نموذج أوسع لعلاقة الدولة الحديثة بصناعة المعرفة، وهو ما يفتح الباب أمام مقارنات مع تجارب استعمارية أخرى، لم يتوسع فيها النص كثيرًا.
صدور الترجمة العربية عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر يضع الكتاب ضمن خط دار نشر تميل إلى نشر أعمال فكرية نقدية ذات طابع سياسي وتاريخي، كثير منها يعالج قضايا الاستعمار، فلسطين، والتحولات العربية المعاصرة. يُستدل من قائمة إصدارات الدار على انحياز عام لخطاب تحليلي نقدي، مع اهتمام خاص بالنصوص التي تتقاطع مع اليسار العربي أو دراسات ما بعد الاستعمار، ما يجعل احتضان كتاب كهذا امتدادًا منطقيًا لهذا التوجّه، وإن ظلّ تقييم تبعياتها التمويلية أو علاقاتها السياسية الدقيقة أمرًا لا يُحسم إلا بالتصريحات الرسمية لا بمجرد أنماط النشر. يظهر ذلك في اختيار نص يزعزع رواية إسرائيلية مهيمنة، ويضعه في سياق عربي يحتاج إلى أدوات معرفية لفهم كيف تُصنع صورة فلسطين وإسرائيل في الوعي العالمي، وهو ما يجعل هذا العمل، ضمن مشروع الدار، حلقة في سلسلة إعادة التفكير في التاريخ من زاوية المنهج والمعرفة لا من زاوية الوقائع وحدها.
